محمود محمود الغراب
94
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
فلا يحجبنك عنه بأمثالنا ، فإنك لن تعلم منه من جهتنا ، إلا ما نعلم منه من تجليه ، فإنا لا نعطيك منه إلا على قدر استعداك ، فلا فرق ، فانتسب إليه ، فإنه ما أرسلنا إلا لندعوكم إليه لا لندعوكم إلينا ، فهي كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قلت : كذا جاء في القرآن ، قال : وكذلك هو ، قلت : بماذا سمعت كلام اللّه ؟ قال : بسمعي ، قلت : وما سمعك ؟ قال : هو ، قلت : فبما ذا اختصصت ؟ قال : بذوق في ذلك لا يعلمه إلا صاحبه ، قلت له : فكذلك أصحاب الأذواق ؟ قال : نعم ، والأذواق على قدر المراتب ، ثم ودعته وانصرفت ، فنزلت بإبراهيم الخليل عليه السلام « 1 » ، فسلمت عليه فرد وسهل ورحب ، فقلت : يا أبت لم قلت : بل فعله كبيرهم ؟ قال : لأنهم قائلون بكبرياء الحق على آلهتهم التي اتخذوها ، قلت : فإشارتك بقولك هذا ؟ قال : أنت تعلمها ، قلت : إني أعلم أنها إشارة ابتداء ، وخبره محذوف ، يدل عليه قولك : بل فعله كبيرهم ، هذا فاسألوهم ، إقامة الحجة عليهم منهم ؛ فقال : ما زدت على ما كان عليه الأمر ، قلت : فما قولك في الأنوار الثلاثة ، أكان عن اعتقاد ؟ قال : لا بل عن تعريف ، لإقامة الحجة على القوم ، ألا ترى إلى ما قال الحق في ذلك وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ؟ وما كان اعتقاد القوم في الإله إلا أنه نمروذ بن كنعان ، لم تكن تلك الأنوار آلهتهم ، ولا كان نمروذ إلها عندهم لهم ، وإنما كانوا يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إليه ، ولذلك لما قال إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ لم يجرؤ نمروذ أن ينسب الإحياء والإماتة لآلهتهم التي وضعها لهم ، لئلا يفتضح ، فقال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فعدل إلى نفسه تنزيها لآلهتهم عندهم ، حتى لا يتزلزل الحاضرون ، ولما علم إبراهيم قصور أفهام الحاضرين عما جاء به لو فصّله ، وطال المجلس ، فعدل إلى الأقرب في أفهامهم ، فذكر حديث إتيان اللّه بالشمس من المشرق ، وطلبه أن يأتي بها من المغرب ، فبهت الذي كفر ، فقلت له : هذا إعجاز من اللّه كونه بهت فيما له فيه مقال ، وإن كان فاسدا ، لأنه لو قاله ، قيل له : قد كانت الشمس طالعة من المشرق وأنت لم تكن ، وأكذبه من تقدمه بالسن على البديهة ، فقال : وما المقال ؟ قلت : يقول ما نفعل الأمر بحكمك ، ولا نبطل الحكمة لأجلك ؛ قال : صدقت
--> ( 1 ) يشير إلى السماء السابعة .